أحمد مصطفى المراغي

49

تفسير المراغي

الهرب قبل أن يقبضوا عليك وينفذوا ما دبّروه ويقتلوك ، فأخرج من المدينة مسرعا وإني لك لناصح أمين . فانتصح بنصحه وتقبل قوله . ( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ ) أي فخرج من مدينة فرعون خائفا يترقب لحوق الطالبين ، ويتلفت يمينا ويسارا وينظر أيتبعه أحد ؟ . ثم لجأ إلى اللّه تعالى علما منه أن لا ملجأ إلا إليه ( قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أي قال : رب نجنى من هؤلاء الذين من دأبهم الظلم والعسف ووضع الأمور في غير مواضعها ، فيقتلون من لا يستحق القتل ومن لا يجرم إلى أحد ، فاستجاب اللّه دعاءه ، ووفقه إلى سلوك الطريق الأعظم نحو مدين ، روى أن فرعون لما بعث في طلبه قال : ( اركبوا بنيّات الطريق ) فانبثوا فيما بين الطريق الأعظم يمينا وشمالا ففاتهم ونجا من بغيهم . ثم أخبر عما ناجى به موسى ربه وهو سائر إلى مدين فقال : ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ) أي ولما اتجه نحو مدين ماضيا إليها شاخصا عن مدينة فرعون ، قال : رب اهدني إلى سواء السبيل ، وأرشدنى إلى الطريق القويم ، ونجنى من هؤلاء الظلمة ؛ وقد قال هذا توكلا على اللّه ، وثقة بحسن توفيقه ، وقد كان لا يعرف الطريق ، فعنّ له ثلاث طرائق فسار في الوسطى وأخذ طالبوه في الآخرين ، وقالوا : المريب لا يسلك أعظم الطرق ، بل يأخذ بنيّاتها ( أضيقها غير المشهور منها ) وقد روى أنه بقي ثماني ليال وهو حاف لا يطعم إلا ورق الشجر ، إذ ليس معه زاد ولا دابة يركبها . ثم ذكر سبحانه ما جرى له حين وصوله إلى مدين من الأحداث فقال : ( وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما ؟ قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) أي ولم وصل إلى مدين ورد ماءها وقد كان لها بئر يرده رعاء الشاء فوجد جماعة منهم